السيد محمد حسين فضل الله

347

من وحي القرآن

وكان هذا النذر مشروعا في شريعتهم ، وأرادت من خلاله أن تتقرب إلى اللَّه ، لأنها لا تملك شيئا تقدّمه إليه غير ذلك . إنه نوع من القربان الحيّ المتحرّك الذي تقدمه الأمّ إلى خالقها ليظل في طاعته وخدمته . . . وابتهلت إليه أن يتقبله منها ، فإنه السميع الذي يسمع دعوات عباده المخلصين له ، العليم الذي يعلم إخلاصهم الروحي في عبادته . وبقيت هذه المرأة الصالحة في أجواء هذه الروحيّة طيلة أيام الحمل . . . وجاء اليوم الموعود الذي انتظرته ليتحقق حلمها ، وكانت المفاجأة غير المنتظرة ، فالمولود أنثى ، والأنثى لا تصلح للخدمة في بيت المقدس ، لأنها من شؤون الذكور ، فهتفت هتاف اليائس المعتذر الخائب ، لتعلن أن الحلم لم يتحقق ، ولم تكن بحاجة إلى هذا الإعلان ، فإن اللَّه أعلم بما وضعت ، لأنه هو الذي خلقه وصوّره ، وليس الذكر كالأنثى ، فلو كان المولود ذكرا لكان شأنه أن ينتهي إلى خادم بسيط في بيت المقدس ، ولكن هذه الأنثى التي وضعتها ستكون مؤهلة لكرامة اللَّه حيث تظهر - من خلالها - قدرته في ولادة عيسى منها من دون أب . وبدأت المرأة تفكر من جديد - في ما توحي به الآية - فهي لا تريد أن تبتعد عن اللَّه في أحلامها الروحيّة ، فإذا لم يقدّر لها أن تلد ذكرا خادما لبيت المقدس ، وولدت - بدلا منه - أنثى ، فإنها تعود لتناجي اللَّه في أمنياتها الجديدة ، فقد أسمتها « مريم » - التي تعني العابدة في لغتهم ، كما يقال - لتكون إنسانة عابدة للَّه مطيعة له في ما يأمر به وينهى عنه ، ثم طلبت من اللَّه أن يعيذها وذريتها من الشيطان الرجيم ، فيجيرهم من وسوسته وتثبيطه ومكره وخدعه ومكائده ، ليستطيعوا السير في خط الطاعة من دون أيّ انحراف أو زلل . إننا نكتشف في هذه المرأة إنسانة تعيش العلاقة باللَّه كأروع ما تكون